الشيخ محمد الصادقي
80
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ومهيئاته - فإنه التمايل المتخلف كما الحنف هو الميل المتآلف - كمن يسافر - دون ضرورة - إلى بلدة يضطر فيها إلى أكل الحرام أو فعل الحرام ، فإن سفره هذا تجانف لإثم ، مهما لم يتعمد أكل الحرام حين اضطراره إلّا اضطرارا . فهنا « غَفُورٌ رَحِيمٌ » ليست لتشمل إلّا المضطر غير المتجانف لإثم ، وقد جاء في أخرى « . . غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » ( 2 : 173 ) وفي ثالثة ورابعة : « فإن الله - فَإِنَّ رَبَّكَ - غَفُورٌ رَحِيمٌ » ( 6 : 145 ) و 16 : 115 ) . إذا فثالوث « تجانف لإثم - عاد - باغ » تحرّم على المضطر حتى حين تهدر نفسه ، مهما كان واجبا في هدرها حفاظا على نفسه ، وهنا « غَيْرَ مُتَجانِفٍ » دون « غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ » حيث الموضوع أعم مما في هذه الثلاث الأخرى وأهم ، إذ يجمع إلى مخمصة الجوع مخمصة الروح حرجا وتضيّقا . ولا يختص الاضطرار هنا بخوف التلف إلّا بالنسبة للمتجانف العادي الباغي ، فقد يجوز لغيرهم أكل هذه المحرمات قدر الضرورة للحفاظ على قوة حياة مهما لا يخاف الموت ، حيث الاضطرار لا يختص باضطرار لأصل الحياة ، بل والاضطرار الحيوي يسمح ويفرض اقتراف الحرام للحفاظ على النفس مهما حرم من جهة التقصير في حصول الاضطرار . وقد يعني الاضطرار بصورة عامة تكلف الضرر نفسيا أو صحيا أو ماليا أو عرضيا أو دينيا ، في نفسه أمّن هو كنفسه من ولده وأهليه ، ما صدق الاضطرار عليه عرفا . ففي حالة اضطرار غير المقصر ولا باغ ولا عاد ولا متجانف لإثم يجوز تناول المحرم أيا كان قدر الضرورة ، اللّهم إلّا أن تكون حرمة المحرم أغلظ من حرمة الاضطرار ، ففي اضطرار الموت يحل كل حرام اللهم إلّا ما هو أشد محظورا منه ، ثم في سائر الاضطرار لا بد من النظر إلى طرفيه ، ولا